أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

121

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بعد ما جاءك العلم أي : بعد مجيء العلم ، وهذا إنما يتخرّج على قول الأخفش لأنه لا يشترط في زيادتها شيء . و « مِنْ » في مِنَ الْعِلْمِ يحتمل أن تكون تبعيضيّة وهو الظاهر وأن تكون لبيان الجنس . قوله : تَعالَوْا العامة على فتح اللام لأنه أمر من : تعالى يتعالى ، كترامى يترامى ، وأصل ألفه ياء ، وأصل هذه الياء واو . ذلك أنه مشتق من العلوّ وهو الارتفاع كما سيأتي بيانه في الاشتقاق ، والواو متى وقعت رابعة فصاعدا قلبت ياء فصار تعالوا : تعالي ، فتحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا فصار : تعالى كترامى وتعازى ، فإذا أمرت منه الواحد قلت : تعال يا زيد بحذف الألف ، وكذا إذا أمرت الجمع المذكّر قلت : تعالوا ؛ لأنك لمّا حذفت الألف لأجل الأمر أبقيت الفتحة مشعرة بها . وإن شئت قلت : الأصل : تعاليوا ، وأصل هذه الياء واو كما تقدّم ، ثم استثقلت الضّمة على الياء فحذفت ضمتها فالتقى ساكنان ، فحذف أولهما وهو الياء لالتقاء الساكنين وتركت الفتحة على حالها . وإن شئت قلت : لمّا كان الأصل : تعاليوا تحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله وهو الياء فقلب ألفا فالتقى ساكنان . فحذف أولهما وهو الألف وبقيت الفتحة دالة عليه . والفرق بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف في الوجه الأول حذفت لأجل الأمر وإن لم تتصل به واو ضمير ، وفي هذا حذفت لالتقائها مع واو الضمير . وكذلك إذا أمرت الواحدة تقول لها « تعالي » ، فهذه الياء هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر ، والتصريف كما تقدم ، إلا أنك تقول هنا : الكسرة على الياء بدل الضمة هناك ، وأمّا إذا أمرت المثنى فإن الياء تثبت فتقول : يا زيدان تعاليا ، ويا هندان تعاليا أيضا ، يستوي فيه المذكران والمؤنثان ، وكذلك أمر جماعة الإناث تثبت فيه الياء تقول : يا نسوة تعالين ، قال تعالى : فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ « 1 » إذ لا مقتضى للحذف ولا للقلب ، وهو ظاهر بما تمهّد من القواعد . وقرأ الحسن وأبو السمّال وأبو واقد : « تعالوا » بضم اللام ، ووجّهوها على أن الأصل : تعاليوا كما تقدم ، فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى اللام بعد سلب حركتها فبقي : تعالوا بضم اللام . قال الزمخشري في سورة النساء : « وعلى هذه القراءة قال الحمداني : 1318 - . . . * تعالي أقاسمك الهموم تعالي « 2 » بكسر اللام » وقد عاب بعض الناس عليه في استشهاده بشعر هذا المولّد المتأخر ، وليس بعيب فإنه ذكره استئناسا وهذا كما تقدّم في أول البقرة عندما أنشد لحبيب : 1319 - هما أظلما حاليّ ثمّت أجليا * . . . « 3 » واعتدر هو عن ذلك بما قدّمته عنه فكيف يعاب عليه شيء عرفه ونبّه عليه واعتذر عنه ؟ والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسوا الحرف المحذوف حتى كأنهم توهّموا أنّ الكلمة بنيت على ذلك ،

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 28 ) . ( 2 ) عجز بيت وصدره : أيا جارتا ما أنصف الّدهر بيننا * . . . انظر ديوانه ( 325 ) . ( 3 ) تقدم .